أبي منصور الماتريدي
408
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : ما يضل بهذا المثل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأعجوبة واللطافة في الدلالة . وقوله : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ . عهد الله يكون على وجهين : عهد خلقة ؛ لما يشهد خلقه كلّ أحد على وحدانية الرب ؛ كقوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . وكقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ . . . الآية [ الروم : 8 ] . إنه إن نظر في نفسه وتأمل عرف أن له صانعا وأنه واحد لا شريك له . وعهد رسالة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام ؛ كقوله : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي . . . الآية [ المائدة : 12 ] . وكقوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . . الآية [ آل عمران : 187 ] . فنقضوا العهدين جميعا ؛ عهد الخلقة ، وعهد الرسالة . وقوله : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ . يحتمل وجهين : يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أمروا بالوصل ؛ كقوله : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] . وقيل : يقطعون ما أمر الله أن يوصل من صلة الأرحام « 1 » . وقوله : وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ . قيل فيه بوجهين : يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد ؛ كقوله : يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [ التوبة : 67 ] . وقيل : يفسدون ، أي : يتعاطون بأنفسهم في الأرض بالفساد ؛ كقوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً [ المائدة : 33 ، 63 ] . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . يحتمل أيضا وجهين : خسروا لما فات عنهم ، وذهب من المنى والأماني في الدنيا . وروى عن الحسن أنه قال في قوله : هُمُ الْخاسِرُونَ : أي : قذفوا أنفسهم -
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن قتادة بنحوه ( 574 ) ، وزاد السيوطي في الدر ( 1 / 89 ) عبد بن حميد .